تقـــدمــة
أ.د. قسطندي شوملي – بيت ساحور
ظهر خلال النصف الثاني من القرن الماضي في الاراضي الفلسطينية المحتلة مجموعة من الشعراء حملت راية شعر أقرب الى حياتنا ونفوسنا ومشاعرنا. وعبر هؤلاء الشعراء عن همومهم ومعاناتهم ، وظلوا متمسكين بجذورهم وحضورهم الثقافي ، محافظين على التراث والهوية الوطنية ، رغم الحصار الثقافي الخانق. وكانت الظروف الصعبة والقيود الصارمة المفروضة على حرية الكتابة والتعبير قد حالت دون ظهور تجارب جديدة في البداية ، ولكن الاحداث التي مرت بوطننا الصغير وخاصة بعد النكسة عام 1967 والانتفاضة الاولى عام 1987 استطاعت ان تخلق جيلا جديدا من الشعراء لهم مفاهيمهم الجديدة وأشكالهم التي تميزهم عما سبقهم. وقام هؤلاء بتفجير الحياة في كل درب بالكلمات ، وعبروا عما يجول في وجدانهم، وعن رفضهم للاحتلال ومحاولة عزلهم عن محيطهم الثقافي العربي تعبيرا فنيا.
وديوان : سجل شعب "الذي نقدم له يهذه الكلمات هو جزء من هذا الشعر ، فقد استطاع الشاعر سامي غانم في قصائده المختلفة ان يحقق متطلبات هذا الشعر بلغة سهلة ، معتمدا علىالشكل التقليدي للقصيدة العربية ، ومارس طاقة التعبير ببعد وايقاع مأساوي، فعبر عن قضايا شعبه ذاته على الواقع الذي يعيشه ، محاولا خلق الانسجام بينه وبين شعره وواقعه.
وتظهر أبعاد التجربة الشعرية بتموجاتها واتجاهاتها التعبيرية في مختلف قصائد هذا الديوان ، فلقد فجرت مآسي الشعب الفلسطيني في نفسه عاطفة شعرية تنبض لوعة وحسرة ، فوصف البؤس والشقاء الذي يعاني منه الفلسطينيون ، وكتب عن الحرب في غزة ولبنان والعراق والحصار القاتل ، والخراب والدمار والمجازر التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وهي تقدم لنا صورا متعدده للاحوال التي يعيشها الشعب الفلسطيني بعواطف حماسية احيانا ونظرة تشاؤمية احيانا اخرى، لما آلت اليه الاوضوع واقتتال الأخوة. وكان همه في هذه القصائد التعبير عن حزنه ورصد المتناقضات التي يعيش ابناء شعبه. وحاولت هذه القصائد باستخدام الاسلوب المباشر ان تؤرخ للاحداث المختلفة التي مر بها الشعب الفلسطيني.
والعلامة المميزة للشاعر في هذا الديوان هي قدرته على معالجة القضايا الساخنة التي يعاني منها ابناء شعبه، وعبر عن هذه القضايا بلغة غاضبة تشاؤمية. والشاعر بما يحمل من حرارة وغضب ونقد في هذه القصائد، لم يتحول الى شاعر الحنين الرومنسي بقدر ما هو شاعر غاضب على الاوضاع، ويشكف عن الاحاسيس الدفينة في نفسه بلغة شعبية واضحة ومباشرة. ولقد أدرك الشاعر الترابط العضوي بين الشعر والاصلاح، وبالتالي امتد التزامه الى ما هو أبعد من الحدود الفنية ، فهو منتسب الى القضية الوطنية والاصلاح والتخلص من الانقسام والفساد. فهو منفتح على ما يجري في المجتمع الفلسطيني من تناقضات سياسية واجتماعية.
ولقد تركت الانتفاضة الشعبية والانتكاسات الاخيرة التي مر بها الفلسطينيون بعد أوسلو وأيلول وانتفاضة الاقصى أثرها الواضح في قصائده، كذلك الاحداث المؤرسفة التي حدثت بين فتح وحماس في السناوات الاخيرة والتي اصبحت الهم الأساس، وتراجع الهم السياسي.
وختاما ان القيمة الحقيقية لهذا الديوان – في تقديري - ، هي في رصده للاحداث الهامة التي مر بها ابناء شعبه خلال السنوات الاخيره، وتصوير الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية التي يمر بها ابناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع.
ُ